ابن عجيبة

431

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : ( أفمن اتبع رضوان اللّه ) بأن اعتقد في نبيه الكمال ، وأطاعه في وصف الجلال والجمال ، وهم المؤمنون ، حيث نزهوا نبيهم من النقائص ، ومن هجس في قلبه شئ بادر إلى التوبة ، ثم اتصف بكمال الخصائص ، هل يكون كَمَنْ باءَ بغضب مِنَ اللَّهِ ؟ وهم المنافقون ، حيث نافقوا الرسول واتهموه - عليه الصلاة والسلام - بالغلول . أو يقول : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بالطاعة والانقياد كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بالمعاصي وسوء الاعتقاد وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي المنقلب ، والفرق بين المصير والمرجع : أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ، ولا كذلك المرجع . قاله البيضاوي . هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي : أهل الرضوان درجات متفاوتة عند اللّه ، على قدر سعيهم في موجب الرضا ، وأهل السخط درجات أيضا ، على قدر تفاوتهم في العصيان ، وهو على حذف مضاف ، أي : ذوو درجات ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ؛ فيجازى كلا على قدر سعيه . الإشارة : ( أفمن اتبع رضوان اللّه ) بتعظيم الأولياء والعلماء وأهل النسبة ، كمن باء بسخط من اللّه بإهانة من أمر اللّه أن يعظم ويرفع ، ومأواه حجاب الحس وعذاب البعد ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، فأهل القرب درجات على قدر تقربهم إلى ربهم ، وأهل البعد درجات في البعد على قدر بعدهم من ربهم ، بشؤم ذنبهم وسوء أدبهم ، واللّه بصير بأعمالهم وما احتوت عليه قلوبهم . ثم ذكر موجب التعظيم للرسول - عليه الصلاة والسلام - وهو كونه نعمة مهداة ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 164 ] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) يقول الحق جل جلاله : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حيث بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي : من جنسهم ، أو من نسبهم ، عربيا مثلهم ؛ ليفهموا كلامه بسهولة ، ويفتخروا به على غيرهم . وتخصيص المؤمنين بالمنة ، وإن كانت نعمته عامة ؛ لزيادة انتفاعهم على غيرهم ؛ لشرفهم وذكرهم به ، حال كونه يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ؛ القرآن ، بعد أن كانوا جاهلية لا يعرفون الوحي ولا سمعوا به ، وَيُزَكِّيهِمْ أي : يطهرهم من دنس الذنوب ودرن العيوب ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي : القرآن ، وَالْحِكْمَةَ أي : السنة ، وَإِنْ كانُوا أي : وإنه ، أي : الأمر والشأن كانوا مِنْ قَبْلُ بعثته لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي : ظاهر بيّن .